الثلاثاء، 17 مايو 2011

طبيعة الثورات العربية و اليسار التحرري



طبيعة الثورات العربية و اليسار التحرري
مازن كم الماز






الحقيقة أن جزءا من المفاجأة الكبرى للثورات العربية تمثلت في أنها جاءت خارج الصورة النمطية أو للتعريف الدارج للثورة في الإيديولوجيا السائدة في اليسار العربي أو النخبة العربية عدا عن أن مفهوم الثورة نفسه قد تراجع بشكل هائل في المبادئ المعتمدة لدى هذا اليسار و تلك النخبة قبل هذه الموجة الثورية , سواء وفق المفهوم الستاليني – اللينيني عن الثورة الروسية , أو التحليل اليساري القومي – الستاليني لانقلابات 23 يوليو في مصر و 8 آذار مارس في سوريا و مثيلاتها في العراق و ليبيا و السودان ... صورت هذه الإيديولوجيات الثورة على أنها تحرك يخطط له بدقة تفصيلية و يقوده تنظيم ثوري يحمل إيديولوجيا دوغمائية تسمى بالثورية و أن هذا التحرك يتم وفق خطة محكمة مسبقة الإعداد , كل شيء محسوب و الجماهير "ملتفة" بالكامل حول قيادة التنظيم الثوري و تؤمن بإيديولوجيته بشكل شبه أعمى و مستعدة للنضال حتى الموت تحت رايته , لا يوجد تردد عند الناس أو تناقض في الأهداف أو الوسائل , لكن تلك الصورة نسبت لهذا الشارع دور الالتزام الحرفي بمخطط القيادة الثورية و السير وراءها دون تجاوزها , فالقيادة وفق هذا التصور هي التي تتجاوز "بثوريتها" من جهة و "عبقريتها" من جهة أخرى تصورات الشارع نفسه ( و في بعض الأحيان اليسار المنظم نفسه كما نسب لعبد الناصر بعد ما سمي بثورة يوليو تموز و كما وصف لينين و تروتسكي و ستالين و ماو بعد نجاحهم في الوصول و البقاء في السلطة إثر ثورات شعبية ) , أو أنها تحركات جماهيرية محسوبة أيضا تقودها النخبة الليبرالية بصرامة و تهدف أساسا لإيصال هذه النخبة إلى السلطة .. الواقع أن هذا كله هراء , فالثورة حالة مختلفة تماما , مفعمة حتى الثمالة بانعدام الوضوح , بالعفوية , بالصراعات , بالانفلاتات المختلفة , بالتذبذبات و التأرجحات , بالتنوع و التعدد لدرجة التناقض , هذا لأنها بكل بساطة أكبر تعبير ممكن عن الحرية و عن الحياة نفسها لذلك فهي تطلق العنان لكل شيء كان مكبوتا , تفجر التابوهات و آليات القمع و الكبت السابقة و بالتالي تحرر طاقات هائلة ذات اتجاهات متناقضة على الأغلب , هذا الانفجار الهائل للحياة و للحرية يرتبط سواء في التحليل اليساري الدارج أو في تحليل النخبة المثقفة و المسيسة عموما بالفوضى , لأن القوى السلطوية , فكرا و ممارسة , لا تستطيع عادة أن تحتمل حراكا لا تفهمه و لا تسيطر عليه , لا تستطيع أن تحتمل حراكا جماهيريا حرا و مستقلا في الأساس , متحرر من أية وصاية , لأن الجماهير في نظرها هي كتلة تفتقر دائما للنضج و القدرة على الفعل المنظم و الهادف و تحتاج للقيادة و التوجيه دائما , لذلك فهي ترفض هذا الحراك و تصفه بكل الصفات السلبية التي يمكن استخدامها خاصة بأن تحجب عنه صفة الثورة أو الثورية , أو أنها في أفضل الأحوال عندما تتطابق النتائج الأولية لهذه الثورات مع أهدافها هي في إسقاط رأس النظام القائم , تعتبر أن الثورة كظاهرة ضرورية أو مطلوبة تنتهي بتحقيق أهداف هذه النخب و عليها الآن أن تتوقف لتبدأ هي فرض هيمنتها على الجماهير و المجتمع بدلا من السلطة المنهارة , لكن الحقيقة مختلفة تماما عن هذا التصور النخبوي – السلطوي , فكل الثورات تبدأ عفوية , شعبية , تبدأ في الشارع و لذلك فإنها تتألف من قوى متناقضة و تكون ذات طبيعة فضفاضة و غير حاسمة , تماما كما هو الشارع في الواقع و في الحياة , فقط في التاريخ الذي يكتبه لاحقا مؤرخون مؤدلجون تابعون لأنظمة ما بعد الثورة تستبدل هذه الصورة الواقعية بصورة نمطية جامدة خالية من الحياة و الحركة الحرة لجماهير هائلة تندفع بقوة في سبيل حريتها و إعادة تشكيل عالمها و كل ما يرافق ذلك من آلام و مخاطر و مصاعب و آمال و أحلام و نوازع ... الخ .. إن الحرية دائما مفتوحة على كل الاحتمالات , إنها تعني أساسا انعدام الوضوح , أما السلطة كأداة للإكراه فهي وحدها التي تنتج مثل هذا الوضوح و الأحادية ... الحرية تفتح الطريق أمام احتمالات لا حصر لها من بينها هزيمة الثورة أو انحطاطها و انتصار القسم الرجعي السلطوي من الحركة الثورية أو من الشارع الثائر مقابل احتمال أن تنجح الجماهير في تحقيق حريتها و إقامة مؤسساتها الحرة التي تقوم على الديمقرطية المباشرة , لا يمكن أن يوجد شكل آخر للثورة دون أن يترافق بهذه المخاطر و الآمال في نفس الوقت , هذا غير ممكن ... صحيح أيضا أن الثورات هي مدارس حقيقية للجماهير , فالجماهير تتعلم من تجاربها , خاصة في أتون الصراع من أجل عالم أفضل , إنها تتعلم في مدرسة الحياة في الحقيقة أكثر مما تتعلم من "مدارس" النخب المختلفة التي تعمل أساسا على تعقيد كل شيء , على تعقيد ظواهر الواقع و الحياة لتسبغ طابعا نخبويا على كل ما تقوم به هذه النخب بينما هي في الحقيقة تقوم فقط بوصف و محاولة شرح ما يجري في مدرسة الحياة أو مدرسة الواقع , أي ما تقوم به هذه الجماهير أساسا في الشارع , لكن بشكل راجع , المشكلة أن الثورة حادثة تاريخية تتكرر قليلا و بالتالي تجد الجماهير صعوبة في مراكمة دروس تجاربها , و لو أن هذا يبقى ممكنا للأقيات الثورية التي تختبر نظرياتها و تصوراتها عن الثورة في كل مرة لتخرج بدروس جديدة و تصورات جديدة ... هكذا فإن صعود بعض التيارات الطائفية و الأصولية هو نتيجة شبه حتمية للموجة الثورية الحالية , هذا أيضا يجب ألا يعمي الأبصار عن احتمال صعود تيارات سلطوية أخرى تريد هي أيضا الانقضاض على الموجة الثورية الراهنة و تحويلها إلى مجرد سلم للوصول إلى موقع السلطة المطلقة , هذه التيارات قد تستخدم الأصوليين مرة أخرى للقفز إلى السلطة و لتبرير هيمنتها على المجتمع , تماما كما فعلت الديكتاتوريات التي سقطت أو التي هي في النزاع الأخير اليوم كأنظمة علي عبد الله صالح و القذافي و الأسد ... لقد خلقت هذه الثورات بالفعل أشكال و مؤسسات ديمقراطية شعبية مباشرة , سمحت للجماهير في أماكن و أوقات مختلفة بأن تأخذ بيدها مسألة تسيير شؤون حياتها , لكن سرعان ما حاولت النخب و الفئات الاجتماعية الميهمنة استعادة المبادرة و فرض مؤسساتها من جديد , في مؤسسات الديمقراطية الجماهيرية المباشرة كاللجان الشعبية مثلا التي شاهدناها في كل ثورة من تونس إلى ليبيا يتوقف التنوع الديني أو الطائفي أو القومي أو العشائري أو المناطقي عن أن يكون مصدرا للنزاع بين البشر العاديين , لكن النخب التي تحاول أن تستعيد سيطرتها أو أن تفرض سيطرتها تحاول و ستحاول أن تجعل من هذا التنوع أساسا لهذه السيطرة , أن تحول هذا التنوع إلى انقسام في صفوف الجماهير و بالتالي أن تخلق سيطرتها على أساس كراهية البشر العاديين لبعضهم البعض , طالما كان تمزيق المضطهدين سياسة مفضلة لدى من يضطهدهم , لأن هذا كما هو واضح يضعف هؤلاء المضطهدين و يضاعف قوة من يضطهدهم ...
نقطة أخرى هامة هنا في الخوف من هذه الموجة الثورية هي أن النخبة و اليسار عموما , و التحرري ضمنا إن لم يكن أكثر من غيره بسبب حداثة نشوئه و ضعفه التنظيمي الواضح و حتى ضعف معرفة الجماهير بأفكاره , يتصرف من منطق أقلية شبه معزولة عن الجماهير , هذا الأمر يجعله أيضا عرضة لهذا الخوف النخبوي من الجماهير و من حراكها الحر المستقل و من إصرار اليسار و النخبة عموما على الأشكال السلطوية الفوقية للحراك و العمل و شكل البديل اليساري أو إنكار وجود بديل جماهيري , إن التخلص من عقدة الأقلية ضروري و التخلص من واقع العزلة عن الجماهير أكثر ضرورة , صحيح أنه لدى اليساري أو الشيوعي التحرري مواقف شخصية هامة جدا من القضايا الأهم التي تؤثر في حياته كاستغلال العمل الماجور للآخرين أو تعرضه هو لمثل هذا الاستغلال , إضافة إلى الموقف من مسائل حياتية كبرى كالحب مثلا و الموقف من أصناف البشر المختلفين كالنساء و الملونين و المثليين جنسيا , الخ , لكن الجزء الأساسي من خياراته يتعلق باختياره النضال في سبيل الحرية , مع الآخرين , دون أن يتخذ موقفا أبويا تعليميا منهم , لا بسبب "مزايا" شخصية و لا بسبب الأفكار التي يحملها , يجب ألا ننسى أن لا شيء يبقى على حاله في الأوقات الثورية , و أن الجماهير تصبح أكثر انفتاحا على كل الأفكار التحررية و أن ملكتها النقدية و قدرتها على كسر التابوهات و المحرمات تكون أكبر في هذه الأوقات , هذا لا يعني حتمية انتصار الثورة أو أن تتفوق الجماهير على آليات التدجين السائدة أو آليات تقسيمها و تهميشها أو تابوهاتها و محرمات الفكر و الوصفة الأخلاقية السائدة , لكنه يعني ضرورة النضال بقوة إلى جانب الجماهير اساسا , لنتعلم من مبادرتها الثورية و لنساهم معها في تطوير وعيها و وعينا , و أشكال نضالها , على ضوء خبرات التجارب النضالية الماضية , لا يجب لأي شيء أن يثير خوفنا من الناس , و لا , في نفس الوقت , أن نحاول النظر لأنفسنا أو للناس العاديين كملائكة أو كمعصومين , بل أن نناضل بواقعية ضد كل من الطبقات السائدة و إيديولوجياتها و ضد نواقصنا الشخصية و الجماعية , لكي نصبح جديرين بالحرية ما دام هذا ممكنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.